مقـالات مختارة

ألزهايمر..الزائر الشرس الذي يمحو الذاكرة

ألزهايمر..الزائر الشرس الذي يمحو الذاكرة

النسيان ظاهرة يعاني منها معظم البشر، فكل منا ينسى أشياء من وقت لآخر بسبب انشغال أذهاننا بعدة مواضيع، وتزداد هذه الظاهرة بتقدم العمر، لكن يظل هذا شيئ طبيعي طالما إنه لا يؤثر بشكل مباشر على نشاطاتنا الحيوية اليومية، وهنا يكون النسيان مجرد ظاهرة مؤقتة لأننا نعود ونتذكر ما نسيناه..لكن معظمنا يردد عندما ينسى شيئاً ما " يبدوا إننا مصابين بألزهايمر"..

نردد مصطلح ألزهايمركثيراً لكننا لا نعرف الكثير عنه ، كل ما يتبادر إلى ذهننا أنه حالة فقدان للذاكرة لكننا لا نعرف الكثير من التفاصيل..

 ألزهايمر علمياً هو عبارة عن ضمور الخلايا العصبية في الدماغ مما يؤثر على الذاكرة وتظهر على المصاب أعراض اضطرابات سلوكية، ويمكننا تعريفه بأنه حالة من الخرف تصيب كبار السن وتؤدي إلى نسيانهم تفاصيل كثيرة من الماضي ويؤثر على مقدرتهم الجسدية والنفسية وبمرور الوقت يفقدون السيطرة على القيام بمهامهم الاعتيادية اليومية بشكل منفرد..بالنسبة للأسباب ترجع لأسباب جينية وراثية خاصة في الأعمار الصغيرة، وهناك أسباب متعلقة بنمط الحياة عامة.. دراسة أمريكية تبين أن النساء أكثر عرضة للإصابة بألزهايمر نتيجة لضغوط الحياة المتكررة والإجهاد المتواصل والتغذية غير السليمة وعدم ممارسة الرياضة.

يرجع الفضل لاكتشاف هذا المرض للطبيب الألماني ألويس ألزهايمر المتخصص في الطب النفسي، الذي تتبع حالة إحدى مريضاته المصابة بمرض عقلي وقام بتشريح دماغها بعد وفاتها واكتشف وجود خلل أدى لمعرفته لداء ألزهايمر الذي حمل إسمه.

كان بحثي في هذا الموضوع مقتصراً على البحث عن المعلومات الطبية المرتبطة بهذا الموضوع بحكم تخصصي في مجال العلوم البيولوجية، لكن هناك شق إنساني مهم في هذا الموضوع، حقيقة لم أكن أعرف تفاصيل أخرى عن المعاناة اليومية لمريض ألزهايمر والمحيطين به في الواقع، إلى أن رأيت هذه التفاصيل من خلال تصفحي لأحد وسائل التواصل الاجتماعي التي تعرض فيديوهات قصيرة، لفت نظري يوميات لسيدة تعتني بوالدتها المصابة بألزهايمر، وشاب يدون يومياته مع والدته المصابة أيضاً ولأن موضوع ألزهايمر بات مقلقاً بسبب ازدياد حالات المصابين بهذا المرض تولد لدي فضول لمعرفة المزيد، وعليه قمت بعمل متابعة لهذه السيدة والشاب لأعرف المزيد من خلال فيديوهات حية توثق تفاصيل يومية للمريضتين..

حقيقة وجدت هذه اليوميات مفيدة جداً وفيها الكثير من المعلومات التي تفيد من لديه مريض بهذا المرض رغم أن العديد من المتابعين لهذه المقاطع المصورة قد انهالوا بالانتقادات على السيدة والشاب واتهموهما بأنهما يستغلان حالة والدتيهما في كسب عدد كبير من المتابعين، لكن بالمقابل كان هناك تفاعلاً إيجابياً من متابعين آخرين وجدوا أن المحتوى أكثر من رائع ومفيد جداً لأن تأثير مرض ألزهايمر يكون أكثر على العائلة المعيلة للشخص المصاب، وحقيقة أجابت مقاطع الفيديو على الكثير من الأسئلة المطروحة من قبل المتابعين.

ما هي الأعراض الأكثر شيوعاً في مصاب ألزهايمر؟!

الأعراض الشائعة عادة هي النسيان لتفاصيل يومية كالمواعيد والأحداث والتواريخ وأماكن الأشياء المعتادة، أيضاً نسيان أسماء الأشخاص حتى المقربين منهم، وعدم القدرة على التعامل مع الأرقام والكلمات مما يؤدي إلى عدم قدرتهم على القراءة والكتاب في مراحل متقدمة من المرض.

أيضاً يصبح المصاب في حالة عدم تركيزوقد يقوم بتكرار كلمات وجمل في غير موضعها ، ومنهم من لا يميز حالة الطقس، وبسبب ضعف التركيز يفقد الشخص قدرته على التخطيط لأي عمل حتى الأعمال الروتينية كالاستحمام واختيار الملابس المناسبة أو ممارسة هوايته المفضلة، وأيضاً النوم بالأوقات المعتادة.

بلا شك هذا التغيير سينعكس سلباً على شخصية المريض وحالته النفسية وهنا تكمن المشكلة الكبرى، وعلى الأشخاص المقربين فهم طبيعة الحالة النفسية للمصابين بهذا المرض والتعامل معهم بحرص واهتمام لتخفيف الآثار السلبية التي قد تتسبب في تفاقم المرض..

مريض ألزهايمر بمرور الوقت يفقد الرغبة في فعل أي شيئ ولذلك يبدأ بالانسحاب من التجمعات لأنه لا يشعر بأي شيئ يصله بمن حوله ولأنه ينسى صلة الأشخاص به قد يشعر بالخوف من أقرب المقربين ويفقد الثقة فيهم، إلى جانب الاكتئاب واللامبالاة بالأحداث، أيضاً تجد بعض المرضى يصبح لديهم بعض الهواجس والخوف من الأشخاص والأماكن.

لكنني لاحظت بأن أحد السيدتين في مقاطع الفيديو تستمع للموسيقى وتردد بعض كلمات الأغاني، لكنها تعاني اضطراب في ترتيب الحروف وتكرر الكلمات بطريقة غير واضحة..

السيدة الأخرى مازالت قادرة على الرسم رغم نسيانها لكل شيئ حتى ابنها الذي يكرس كل وقته لها، وهذا جعلني أتساءل، يا ترى هل يمكن علاج مريض ألزهايمر بالفنون والموسيقى؟!

من متابعتي أكتشفت أيضاً بأن مصاب ألزهايمر يحتاج لشخص يثق به حتى يشعر بالأمان ، يحتاج إلى رعاية كبيرة في كل الأمور، على سبيل المثال لا يستطيع مريض ألزهايمر أن ينوع في طعامه، ويحتاج لمن يقدم له وجباته المتكاملة لأنه قد يكرر وجبة واحدة طوال الوقت دون أن يدري بأن هناك وجبات أخرى متنوعة، أيضاً يحتاج إلى من ينشط ذاكرته من خلال الشخص الملازم له معظم الوقت  ليذكره بأسماء الأشخاص خاصة المقربين ، يذكره بمناسبات خاصة من خلال سرد تفاصيل قديمة عن أعياد، عن ذكريات سفر ويمكن للصور أن تلعب دوراً هنا، أيضاً الموسيقى وبعض الأغاني ممكن أن تعيد لهم بعض الذكريات..

مصاب ألزهايمر يعاني من اضطراب في النوم ولذلك يحتاج إلى تعويد على النوم في أوقات معينة ربما تتطلب من الشخص المرافق له بأن ينام معه بنفس الغرفة وطبعاً يجب الاهتمام بسلامة المريض إثناء النوم وعدم استخدام الأسرّة العادية ويفضل استخدام أسرّة منخفضة أو النوم على فراش على الأرض.

أيضاً يحتاج المريض إلى من يتحدث معه كثيراً حتى يكسبه بعض المصطلحات ويعوده على التحدث واستعادة قدرته على نطق الكلمات بطريقة صحيحة..

من الأشياء التي تسعد مريض ألزهايمرالشعور بالاهتمام ممن حوله وإصرارهم على دمجهم في نشاطاتهم اليومية..أيضاً يسعدهم أن يتم الاهتمام بمظهرهم كقص الشعر وإحضار ملابس جديدة لهم..

ولا ننسى دور الطبيعة في تحسن صحتهم، لذلك من الضروري إخراجهم من المنزل لأماكن طبيعية ينعمون فيها بالهواء النقي ويمارسون رياضة المشي حتى لو لمسافات قصيرة.

كل هذه الملاحظات رأيتها من خلال متابعتي لمقاطع الفيديو التي ذكرتها أعلاه، والتي أثّرت في تأثيراً عميقاً، ووضعت أمامي تساؤلات كثيرة..ماذا لو كان مصاب ألزهايمر ليس لديه أبناء يعتنون به ، ماذا لو عاش وحيداً بين أربعة جدران؟!

هل هناك علاج لمرض ألزهايمر؟

كثير ما يتردد هذا السؤال، والحقيقة إنه حتى هذه اللحظة لم يتم اكتشاف دواء فعال لمعالجة هذا المرض تماماً بالرغم من الأبحاث العديدة في هذا المجال.. لكن هناك بعض العلاجات التي تساعد في إبطاء تطور هذا المرض..ويحاول الباحثون على تركيز جهودهم للوقاية من هذا المرض أو على الأقل اكتشافه في مراحل مبكرة قبل أن يتفاقم.

وبحسب الجمعية الألمانية للأزهايمر فأن تفادي الضغوطات النفسية والحفاظ على نمط حياة صحي تكون الرياضة جزء مهم منه ، بالإضافة إلى نمط غذائي متميز يحتوي على فيتامينات وأوميغا 3 يساعد على صحة خلايا المخ وتقليل فرص الإصابة بالمرض.

الأبحاث توصلت إلى أن السبب في تلف الخلايا العصبية في الدماغ يرجع إلى تجمع تكتلات من بروتين " بيتا أميلويد" وألياف من بروتين " تاو" مما يسبب خلل في وظائفها بالتالي تلفها..ومن هذه الحقيقة بدأت الباحثة السورية السيدة مروة ملحيس المقيمة في المانيا والحاصلة على الدكتوراة من جامعة كوبورغ للعلوم التطبيقية أبحاثها التي تركزت على إيجاد عنصر يمنع تراكم هذه البروتينات، واستطاعت فعلاً للتوصل إلى العنصر النشط الذي يمنع أحد البروتينات التي تتراكم على الخلايا العصبية من التراكم، لكن مازالت الأبحاث جارية وقد تحتاج إلى وقت طويل حتى يتوصلوا إلى العلاج ، لكننا نأمل أن يكون هذا العنصر أساساً يٌبنى عليه تركيب علاج ناجع للقضاء على هذا المرض نهائياً..

أؤمن بأن الوقاية خير من العلاج، لذلك علينا أن نعي أهمية الحفاظ على جسم سليم وعقل سليم حتى أخر يوم بحياتنا، وأن نغير نمط الحياة ونخرج من من دائرة الضغوط النفسية قدر الإمكان، علينا أن نتحد مع الطبيعة ففيها العلاج الحقيقي، الحفاظ على جسم سليم بلا شك سيحفظ عقولنا سليمة..سلمكم الله من كل مكروه وأبعد عنكم وعنا ألزهايمر.

كل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الفطر المبارك أعاده الله عليكم بالخير والسعادة.

سلوى حماد

الوسوم

مواضيع ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق