كلمة رئيس التحرير

إنعكاسات تأثير وسائل التواصل الإجتماعي على الأمن الفكري

قبل عدة أعوام تمت دعوتي للمشاركة بورقة عمل في مؤتمر حوار الأديان الذي عقد في العاصمة القطرية الجميلة والمضيافة الدوحة، هناك التقيت بالعديد من المفكرين ورجال الدولة الذين يبحثون عن فكرة التلاقي بين الثقافات والأديان المختلفة ، وذلك لحماية الأجيال القادمة من مخاطر الصراع والتصادم، وكان عنوان موضوعي الذي شاركت به هو " ممارسات استخدام وسائل الإعلام الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي في مواجهة زعزعة الأمن الفكري.
 هذه الورقة حظيت باهتمام بالغ وتغطية وسائل الإعلام المحلية والدولية ومؤسسات الدولة والعديد من ممثلي السلك الدبلوماسي في دولة قطر،  مما جعلني أدرك أهمية هذا الموضوع وتحدياته أكثر بالنسبة للعالم بشكل عام  وقد ثبت تباعا بأنني كنت على صواب حيث أن الغزو الفكري الذي تقوم به بعض المجموعات الشريرة من أجل تحقيق أهداف خبيثة لم يعد خافياً على أحد ذو بصيرة!.
كذلك بعد مرور هذه السنوات ومع ازدياد التحديات  المتنوعة، توصلت لنتيجة واحدة وهي أن الأجيال القادمة تواجه أزمة ثقافية وغزواً فكرياً غير مسبوق لم يعد يتطلب التأمل والبحث وإنما بات يتطلب تكاتف الطاقات الإنسانية لمواجهة ما يترتب على ذلك من مخاطر ضخمة لربما لا نشعر بها الآن ولكننا نستشعرها بين الحين والآخر ، ولابد من مواجهة حقيقة أنها قائمة وقريبة إن لم تكن واقعاً مجنوناً بات يطيح بكل القيم الموروثة.
هذا الأمر بالرغم من عدم إنكاري بأنه بات محبطاً ومرهقاً لي ، إلا أنه جعلني أيضاً أبحث بجدية في هذا الموضوع كوني أتمتع بمرجعية مهنية تساعدني على البحث بعمق  إلى جانب أنني أتمتع بمهارات إعلامية على الأقل بحدها الأدني، وهي التي باتت تمنحني القدرة على القراءة والتحليل قبل الدخول بعمق في شئ لا فائدة منه ، فوجدت أن أهمية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الإيجابية حتى وإن رافقتها الشفافية لا تقل شأناً عن مساوئ استخدامها،  سواء في مجال التواصل الأسري أو العمل الثقافي أو المهني أو التسويق أو التجارة أو البيزنس أو تبادل الخبرات وتنميتها في مختلف الميادين، لا بل باتت تمثل الركيزة الأكثر أهمية وتفاعلاً كوسائل أساسية في نقل الأحداث الخاصة والعامة فور حدوثها .
هذا يشير بلا شك إلى  حقيقة  مهمة وهي أنه أصبح  لممارسة استخدام المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً مهماً وفاعلاً  إما في تعزيز أو زعزعة الأمن الفكري لدى الفئات المجتمعية، وما ينعكس  عليهم من إيجابيات بتسريع عملية الإندماج والتعايش ومن ثم الإبداع أو سلبيات تمارس القرصنة على حرياتهم وخصوصياتهم مما يسهل عملية تطويعهم وتعريضهم لمخاطر ابتزاز الإرهاب أو التغرير بهم واستقطابهم نحو الأفكار المغلوطة والهدامة،   مما يحول بينهم وبين الإندفاع نحو الإبداع الفكري والمهني في مختلف المجالات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية.
من هنا نجد أن هناك إمكانية لتعزيز استثمار وسائل التواصل الاجتماعي واستخدامها في توعية فئة القلب النابض للمجتمعات وهم الشباب من مخاطر الأفكار المنحرفة التي تهدف إلى زعزعة الأمن الفكري لديهم، ومن ثم تلاشي انعكاسها على المجتمعات التي ينتمون إليها، وبالتالي المساهمة في عملية البناء المجتمعي التي ينجم عنها رخاء وازدهار للدولة بدلاً من السقوط في وحل الهدم والتطرف الذي تولي في تقديري مؤسسات الدولة لمحاربته أهمية بالغة.
هنا لابد من الإشارة إلى أنه لا يمكن غض البصر عن أن بعض الممارسات في  المنتديات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي وهي التي تعد إحدى أشهر وسائل التغرير وأكثرها تأثيراً لتمرير المعلومات والأفكار المشبوهة بهدف الإسقاط الأمني والإيقاع بالضحية في مستنقعات الإرهاب خاصة فيما يتعلق بالخلايا النائمة ،  لكن هذا لا يعني بأنه لا يوجد هناك ممارسات إبداعية تجعلها وسيلة أكثر فعالية من غيرها  في حماية الأمن الفكري إن تم استخدامها بإيجابية تجاه تنمية الفكر والتوعية والمعرفة.                                                                                            

 بشكل عام ، وفي تقديري أن هذا الأمر لا يتطلب دعماً بيروقراطياً لمجموعات تفتقر للحد الأدنى من القدرة على التعاطي مع تحدياته، بل هو أمر بالغ الأهمية ويحتاج لرؤية وإستراتيجية ديناميكية تدفع المجتمع للتعاون والإنخراط في مواجهته، خاصة في ظل إنحراف حالات شبابية ليست بالقليلة نتيجة ظروف حياتية بالغة التعقيد، وسقوطها في وحل التطرف والإرهاب الذي يعد مشكلة حقيقية لابد من مواجهتها مبكراً بالشكل الصحيح،  مما يجعل هناك حاجة لدراسة عميقة ونقاش منفتح وشفاف بين فئات المجتمعات المختلفة وبين المؤسسات الرسمية حتى لو كان ذلك من خلال منصات التواصل الإفتراضي، والتي لابد لها من رسم سياسات منهجية وواقعية تلامس التحديات  التي تواجه المجتمع وتخرج الأفراد من حالة القلق والخوف والضغط الحياتي،  وبدلاً من ذلك الانفتاح بشفافية من خلال رؤى واقعية وأدوات محترفة تسطيع أن تخاطب عقول وقلوب الناس ، بدلاً من اعتماد الانفتاح المزيف نهجاً من خلال مجموعات منتفعة وضعيفة وموجهة فكرياً وسلوكياً ولربما حتى أكثر من ذلك!، وذلك من أجل مواجهة الحقيقة وإيجاد الحلول الممكنة للمشاكل المتفاقمة التي تتراكم ولا أحد يدري مدى خطورتها، والتي تفرز حالات شاذة نتيجة تقاطعات الخطاب المنفلت والموجه والذي على ما يبدو بات  يهدف لاستقطاب ضحايا من فئة  الشباب الذين يفتقرون إلى مرجعيات ثقافية ودينية معتدلة وقوية وأمينة، حتى توضح لهم القيمة الإنسانية بكل معانيها قبل الغرق في وحل الضياع والتطرف.
أخيراً ،  في تقديري أن إمكانية الحوار بين مختلف الثقافات من أجل تطوير الخطاب الديني والارتقاء به  إلى مستوى قبول الثقافات المختلفة الأخرى كل لبعضها البعض خاصة بعد أخذ العبر وإستخلاص الدروس من ما نجم عن جائحة كورونا وما سينجم مستقبلاً وهو الذي قد يؤثر سلباً ، مما يتطلب الجهوزية الكاملة من أجل خلق حالة حوارية مستقبلية مستمرة، للعمل بطريقة تكاملية من أجل إرساء حالة سلام مجتمعية شاملة ونموذج تعايشي راقي على المستوى السياسي والإنساني ترفض العنف في كل بقاع الأرض.

الوسوم

مواضيع ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق