آخر الأخبار

أغداً ألقاك!؟.. مابين الخرطوم وأم كلثوم


 بقلم: طارق المادح 

    
في مساءٍ حالم من أمسيات الخرطوم العاصمة السودانيّة، وعند ملتقى مقرن النّيلين الأزرق والأبيض..لبّيتُ دعوةً لتأسيس مؤسسة
أروقة للثقافة والفنون عام 2002م وكانت هذه المرّة الأولى التي ألتقي فيها كفاحاً بالشاعر الكبير الهادي آدم.. ومن محاسن الصُّدف أن جمعتنا منضدة واحدة.. وكعادتي عند رؤية الرموز، تشتعل بذاكرتي كلمحٍ بالبصر سيرتهم ومسيرتهم.. فتبادلنا السلام والابتسام، ومع نفر من الحضور تجاذبنا أطراف الحديث..
كان أوّلُ ما لفتني في شخصيّته عذوبة حديثه، ولين جانبه، ودقّة مفرداته، وأناقة مظهره وهو بكامل زيّه السوداني مرتدياً الجلباب والعمامة. تلمح من حديثه أنّه كان كثير الاعتداد بأبناء جيله من أربعينيات القرن المنصرم، حفيّاً بأيام دراسته بالقاهرة، وذكريات الأمسيات الأدبيّة وصلاح عبدالصبور و صالون العقّاد.. ونخبة من الأدباء السودانيّين.. فكان في حديثه مصحّحاً لكثير من الروايات الشائعة دون محاجاة. وكعادته أبدى استياءه من أسر النمطيات في اختزال تجربته الأدبية كلّها في أغنية واحدة.. أو سؤاله عن  ملهمة أغداً ألقاك؟ فكان يردّ بابتسامة
هادئة ونبرة شبه حاسمة:(مش شغلك استمتع بمعنى القصيده فقط!!) فيبادله الحضور ضحكاً.
فالشاعر الهادي آدم أديبٌ مكتمل الملامح، جزل الأسلوب، طامح الخيال، رصين العبارة، كان ميلاده بوسط السودان عام 1926 وتوفي عام 2006م.. درس بكليّة دار العلوم بالقاهرة ونال دبلوم التربية من عين شمس، عمل في السودان بالتدريس..له العديد من الأعمال الأدبية: (ديوان كوخ الاشواق، ونوافذ العدم، وعفواً أيها المستحيل، ومسرحية شعرية بعنوان سعاد)..وأظنّ أنّ أغنية أغداً ألقاك..اكتسبت عالميّتها أو أمميّتها لكونها ارتبطت بثالوثٍ فارقٍ في مسيرة الأمة العربية (نكسة67، ومؤتمر اللاءات الثلاث في الخرطوم، وأم كلثوم)..وكيف لا ؟! وقد كتبت الصّحف العالمية وقتذاك، تتساءل وتتعجّب !؟ كيف لرجلٍ مهزوم كجمال عبدالناصر بعد نكسة 1967م  أن يُستقبَل في الخرطوم استقبال المنتصر؟! .. فكان مؤتمر اللاءات الثلاث الذي أُقيمَ في الخرطوم لإعادة ترتيب البيت العربي..ثم كانت زيارة أم كلثوم وإقامتها حفلاً تاريخياً بالمسرح القومي في الخرطوم بأم درمان..وكانت ضمن  سلسلة زيارات ابتدَرَتْها لدعم المجهود الحربي.. فدُهشَت أم كلثوم أيّما دهشة لما لمسَتْه من حماس دافق ..وكبرياء شامخ ..يشعّ من عيون السودانيين..بل وبلغ تماهيها مع حبّ السودانيّين أنْ تجاوزَتْ  البروتوكول المعتاد وحضرتْ مناسبات اجتماعية وحفلات زواج بالفلوكلور السوداني..وقالت ما وجدتُه في الخرطوم لم أجده في أيٍّ من البلاد العربيه الأخرى..  فآلت أم كلثوم على نفسها أن توثق لهذه المحبة والدهشة، بأن تغنّي لشاعر سوداني..وكان وسيطها في ذلك رئيس تحرير مجلة "المصور" صالح جودت بأن جمع لها سبعة دوواين شعرية.. فوقع اختيار أم كلثوم 
على قصيدة (أغداً ألقاك )للشاعر الهادي آدم..وتمّ التنسيق بأن قُدِّمَتْ دعوةٌ للشاعر الهادي آدم لزيارة أم كلثوم بمنزلها بالقاهرة وكان حضوراً بهذه الزيارة الموسيقار محمد عبدالوهاب.. الجدير ذكره أنّه قد تمّت معالجات بعض (كوبليهات) النص ليتناسق مع اللحن..فالنص قد تمّ اختياره في العام 1968 وغناؤه لأول مرّة كان في مايو من العام1971 .. أطلّت أم كلثوم على الجمهور العربي في أبهى حُللها، وشاءت الأقدار أن تدخل أغنية( أغداً ألقاك)
للشاعر السوداني الهادي آدم، تاريخ العرب من أوسع وجدانياتهم.. ومنحةُ الأقدار لهذه الأغنية بالتضافر الوجداني والعاطفي من المحيط للخليج..كونها رحيقاً لثلاثة تمازجات في مسيرة الأمّة العربيّة بين(السياسي والثقافي والاجتماعي) مع تتويجها بعبقرية الزمان والمكان..فكانت أيقونةً من أيقونات الغناء العربي...وكثيرًا ما سُئلِت أم كلثوم عن سرِّ اختيارها و إعجابها بقصيدة(أغداً ألقاك ) فكانت تجيب ل(كونها عاطفية محضة تخلو من الحسيّة)..
رحم الله المربّي و الشاعر والأديب السوداني الهادي آدم الذي جعل الوحدة الوجدانية للأمة العربيّة أمراً ممكناً إذا تعذَّرت السياسة..                                  أغداً ألقاك ياخوف فؤادي من غدِ
يالشوقي واحتراقي في انتظار الموعد
آه كم أخشى غدي هذا وأرجوه اقترابا
كنت أستدنيه لكن هبته لما أنابَ
وأهلّت فرحة القرب به حين استجابا
هكذا أحتمل العمر نعيماً وعذابا
مهجةً حرّى وقلباً مسّهُ الشوق فذابا
أنت يا جنة حبي واشتياقي وجنوني
أنت يا قبلة روحي وانطلاقي وشجوني
أغداً تشرق أضواؤك فى ليل عيوني
آه من فرحة أحلامي ومن خوف ظنوني