كلمة رئيس التحرير

الاحتيال بين الحاجة وغياب الوعي

تستهدف عملياتُ الاحتيال الناسَ  من كل الخلفيات والأعمار ومستويات الدخل في كل أنحاء العالم وليس هنا في كندا فقط، حيث إن كل شخصٍ  معرّضٌ   لعمليات الاحتيال والتضليل، لذا كلنا بحاجة إلى أن نكون على دراية واطّلاع على هذا الموضوع كي نتفادى الوقوعَ في أي عملية من هذا النوع. 

وللأسف لم تعد عملياتُ الاحتيال مقتصرةً على أشخاص ضد آخرين فقط، وإنما أصبحت الأمور تسير في إتجاهات أكثر تعقيداً وتمس الحياة الشخصية والعامة، مما يرسخها كثقافة فردية ونخشى أن تصبح مجتمعية. 

وهنا لا أقصد الاحتيالَ الذي تمارسه مجموعاتٌ جاهلة وساذجة تبحث عن ذاتها تحت ضغط الحاجة، وإنما أقصد ما هو أبعد من ذلك بكثير ، حيث أننا بتنا نواجه قصصَ احتيال من العيار الثقيل التي يعجز العقل عن تفسيرها خاصة إن كان من يمارسونها يتجاوزون التوقعاتِ في إطار كولسات مقيتة وعفنة،مدعاة للتقزز عندما يكون الدافع هو الطمع أو الكراهية أو الإسقاط بكل مشتقاته الفكرية والثقافية والمجتمعية والأمنية.

وهذا يجعلنا نضطر للإبحار في عالم الإحتيال الذي كنا نظن بأنه يقتصر على عالم الجريمة فقط، ولكننا فوجئنا بأن الحكاياتِ كثيرةٌ والوجوه المقنعة أكثر،والكثير يختبئ وراء المظهر الجميل، فليس غريباً أن نرى أفعالاً قبيحة تصدر عن وجوه تبدو في مظهرها الخارجي جميلة، ولكن في جوهرها هي غاية في القبح.

ايضاً هناك الكثير من الحكايات التي يمكن سردها في هذا السياق، على سبيل المثال لا الحصر : سيدة رغبت بشراء سيارة مرسيدس، وعندما أرسل لها زوجها المال لتشتري هذه السيارة الثمينة والجميلة والتي تحقق لها ما تحلم به، تذكرت بأنها تعيش على المساعدات الحكومية بالرغم من أن زوجها رجل مقتدر، ففكرت بتسجيل السيارة باسمِ شخص آخر مع إضافة اسمها لبوليصة التأمين حتى لا ينكشف أمرها وتفقد المساعدات التي تحصل عليها.

هذه واحدة من مئات القصص المخجلة، فهناك من الأزواج ممن يدعون انهم منفصلون مدنياً ولكنهما متزوجون شرعياً حتى يحصلوا على مساعدات حكومية كلٌّ على حدة، وهناك من ذهبوا لأبعد من هذا، حيث يتزوج أحدهم امرأةً واحدة وثانية وثالثة ويصرح فقط عن الزوجة الأولى، أما الأخريات فهن يظهرن للعام على أنهنّ مجرد صديقات حميمات وذلك من أجل الانتفاع بمساعدات ليست من حقهنّ ، وكان أولى بها أناسٌ آخرون هم في أمس الحاجة لها وهم الأحق منهم بها ، ولكنها ثقافة الاحتيال المعدمة التي تدفع الجاهل لاستباحة القيم بغض النظر عن العواقب لذلك.

هنا ، في كندا ، تحرص الدولة على أن تقدم المساعدات لمواطنيها أصحاب الدخل المنخفض أو ممن تركوا أعمالهم لأسباب معينة، لكن هذا لا يعني أن نستغل الطرق الملتوية من أجل الحصول على مكاسب مادية لا تحق لنا.. هذا بلا شك سيشكل عبئاً على أولادنا مستقبلاً ويضيع فرص الأشخاص المحتاجين فعلياً للمساعدات.

الحكايات كثيرة ومتشعبة ولها حيثيات معقدة ، وكل ما نستطيع قوله بأن هناك خللاً موجوداً ، وتغذية هذا الخلل تقع على عاتق الوعي الذاتي من جهة، ومن جهة أخرى تقع على عاتق من يغمضون أعينهم عن هذه التجاوزات لتحقيق مآرب شخصية وأجندات ذات بعد فكري ولربما يتجاوز ذلك!، وتبقى القضية تائهة بين حاجة هذا وبين سذاجة ذاك وغياب الوعي لكليهما.

أيضاً ، من أكثر صور الاحتيال المتعارف عليها في دول الاغتراب  الاحتيالُ على القادمين الجدد من قبل من سبقوهم في الغربة، وبدلاً من أن يحتضنوهم فهم يوقعونهم في العديد من المشاكل، فمن الطبيعي أن يكون القادم الجديد جاهلاً بالقوانين الجديدة، وقد تكون اللغة عائقًا  أمام تعلمه هذه القوانين  بسرعة، لذلك يكون فريسة سهلة للمحتالين ممن اكتسبوا معرفة بحكم تواجدهم بالبلد لفترة طويلة واحترفوا عمليات النصب والاحتيال، وهناك الكثير من الحكايات التي تتداولها الجالية عن حالات في هذا السياق التي تعرض لها الكثير من القادمين الجدد.

وفي إطار حديثنا عن الاحتيال، لا ننسى الاحتيال الالكتروني  الذي بات منتشراً وأصبح مصدراً لكسب المال بطرق غير مشروعة، مما يحتم علينا أن نكون أكثر وعياً بالتعامل مع المكالمات المشبوهة، وأن لا نفصح أبداً عن أي معلومات خاصة على الهاتف، حيث إنه انتشرت مؤخراً مكالمات هاتفية عديدة من أشخاص يدّعون بأنهم من جهات حكومية ، وفيها لهجة تهديدية قد يصدقها البعض، لهذا ننصح كل القادمين الجدد بأن لا يتجاوبوا مع هذه المكالمات، وأن يحرصوا على الحفاظ على بياناتهم الخاصة لأن الجهات الحكومية لا يمكن أن تتواصل عبر الهاتف، فقط التواصل يكون من خلال المراسلات البريدية.

أيضاً في ظل التسوق الإلكتروني، هناك احتيال يتم عن طريق استخدام بيانات البطاقات الائتمانية المسجلة في عمليات الشراء، لذلك ننصح بالتأكد من مصداقية المواقع التي نتعامل معها.. وهناك احتيال من خلال طريقة التسويق، فهناك من يستخدم أساليب مخادعة للإعلان عن منتج ما وتجميله بذكر مميزات ليست فيه، أو الإعلان عن بعض العروض الترويجية المغرية للمنتجات الرديئة لخداع المستهلك وإيقاعه في الفخ. 

أما أنا، سأبقى حزيناً من ذلك، وغارقاً في تفسيرات معقدة لا أول لها ولا آخر، حيث إني بت أجد أن المحتال الذي يحترف ترتيب أوراقه حتى لو كانت ليس لها علاقة بالحقيقة، والواقع يعيش أحسن حالاً من المجتهد الذي يكافح من أجل الوصول إلى أهدافه بالطرق القانونية والكفاح وبذل الجهد، ولا أجد أي تفسير لما يحدث!، فأحياناً ولأننا في بلاد الاغتراب نشعر بأنه ليس من حقنا الإبحار فيما لا يعنينا!، لكن تظل قناعاتنا وقيمنا جزءاً مترسخاً في بنيتنا النفسية والأخلاقية ولا تترنح أبداً أمام إغراءات ما وصل إليه محترفو تزوير الحقائق، ليجيروا الحق في إطار ذاتي بدلاً من أن يكون جامعاً ومفيداً لهم ولغيرهم من الذين ربما يكونون أكثر كفاءة واجتهاداً منهم،  ضمن تسهيلات واجبة ومساواة ضرورية ومعايير مهنية وقانونية سلسة!.

أخيراً، أتفهم أنه قد تدفع الحاجة للكسب السريع المريح الإنسانَ للاحتيال، وقد تدفعه لفعل الكثير من الأفعال الخاطئة غير المألوفة لديه من قبل في حياته،ولكنه بعد ذلك سيكتشف بدون أدنى شك أن الاحتيال لا يجلب له راحة ولا سعادة ولا حتى استقراراً ، ولذلك إذا كان الاحتيال مصيبة فالغلو به والسير قدماً في طريقه لجعله نهج حياة هو أم المصائب، حيث إن الأمور أصبحت واضحة ومكشوفة، ومهما كان سقف الطموح عالياً وطريق الشر ممهداً يبقى الطريق السوي هو الأسلم والأكثر أماناً.

وأختم بالقول، جميل أن يكون الإنسان معتدلاً فكرياً وأن لا يذهب بعيداً بالتطرف تجاه الحاجة، وأن يقبل كل منا بنصيبه من الدنيا ولا يحاول الالتفاف على القوانين لأخذ ما ليس من حقه، فالأرزاق موزعة بالعدل من رب العالمين، وبذلك يكون الجميع سفراء لجالياتهم ليقدموا نموذجاً مبدعاً وأميناً وصادقاً ومتميزاً عن الآخرين بإنتمائهم ووفائهم وحرصهم ، وهذا لا يعني أن النماذج السيئة موجودة فقط بين أبناء جاليتنا العربية الموقرة المليئة بالنماذج المبدعة والمخلصين،وإنما في كل الجاليات بلا إستثناء، والخلاصة أن كل إنسان منا مرآة عاكسة لثقافته وهويته، فلنكن على الدوام عناوين مضيئة لنكون قدوة تليق بهويتنا وثقافتنا التي نعتز بها.

الوسوم

مواضيع ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق