كلمة رئيس التحرير

" الإدراك" مفتاحنــا لفهــم الحياة والاستمتاع بها

كثير من الأحيان لا يدرك المرئ مخاطر ما يقوم به من أجل البحث عن مكان له حتى لو كان على حساب الآخرين، وهذا هو حال الفشلة والمأجورين في كل مكان، لذلك لابد من أن يكون الإنسان كيساً فطناً ومدركاً بأن التحديات في المهجر أكبر بكثير مما يتوقعه في كثير من الأحيان، وعليه أن يكون مستعداً على الدوام لمواجهتها بالصبر وبالعقل والمنطق والبحث في سبل الإبداع وأن لا ينجرف في مستنقعاتها، لا بل عليه أن يحدد الهدف ويدرك بأن هناك فسحة من الأمل تجعله يدرك مفاتيح الحياة في المغترب والإستمتاع بها.
لذلك ليس غريباً أن يكون من المعروف عن صاحب القلم الحر بأنه صاحب فكرة وكلمة جريئة لربما تكون مرعبة في بعض جوانبها حيث أنه لا يختبئ بين ثناياها مفاهيم العجز الذي يلازم الفشلة الذين يستغلون الكلمة ويسخرون الفكرة لخدمة غايات خبيثة للتشويش والتشهير والتشكيك واستهداف الآخرين ممن يختلفون  معهم في إدراك فهم طبيعة الحياة وتحدياتها مما يصعب على البعض فهم وإدراك الحقيقة كما هي بدون رتوش.
وقبل أن أبدأ بالاسترسال حول فكرتي من هذا المقال لابد من استعراض مفهوم الإدراك الذي يعتبر هو تعبيراً حياً  لمفهوم معالجة الدماغ للمعلومات التي تأتي من الحواس المنضبطة وغيرها والقدرة على تفنيدها، بحيث يقوم النظام العصبي المركزي المعقد لدى الإنسان بوظيفة تحديد وتنظيم وتفسير المعلومات التي تصله من كل حدب وصوب، لفهم مؤثرات العالم المحيط بنا حتى لو كان الكثير منها صادر عن خبثاء أو جهلة أو مأجورين ممن يتقيئون حقداَ بدون أي سبب مفهوم وبدون الأخذ بعين الإعتبار أي معالجات ضرورية للتحديات المحيطة بكل إنسان ضمن المفاهيم الحياتية المنطقية والطبيعية.
 لكن مع الإدراك لتحديات الواقع ومساحة الحرية المتاحة أمام الإنسان في بعض الأمكنة والأزمنة، والإيمان بضروريات فهم متطلبات ضبط  إيقاع العمل في إطار هذه المساحة من الحرية المتاحة، لا تتم هذه المعالجة خارج وعي هذا الإنسان، ولكن تعتبر هذه العمليّة الحسيّة فرديّة حسب المعايير التربوية والنفسية والعقلية والسيكولوجية لكل إنسان، لذلك يواجه العديد من الأشخاص نفس الموقف في صعوبة تحديد مساحة الحرية المتاحة أمامهم، وفهم ضروريات التعاطي مع الواقع الذي يعيش فيه، ولكنهم يدركونها في الحالة الطبيعية بطريقة سوية تختلف عن الآخرين ممن يفتقدون لمقومات ذلك، وبهذا تساعدهم على رؤية العالم كمكان مستقر بالرغم من تغيّر المعلومات الحسية التي يتلقاها  كل فردٍ منا حتى لو كانت محرفة أوغير كاملة أحياناً وهذا ما نتمناه لكل فرد من الذين يعيشون معنا وبيننا هنا سواء كانوا من أبناء ثقافتنا وعقيدتنا أو ممن يختلفون عنا. 
هذا هو حال الكثيرين منا،  ممن يدّعون ما ليس فيهم ويلبسون ثوباً ليس ثوبهم ، لا بل هم يعيشون حياة مليئة بالضجر ، بالتأكيد هي حياة غير مغرية إلا لمن يعانون نفس النقص  وعقدة البحث بخصوصيات الآخرين بدون أن يدركوا بأن هذا مخالف للمنطق،  وهو بمثابة انعكاس لعقدة نفسية داخلهم تجرهم إلى انتحار حياتي وهم أحياء، وليس كما يظنون بأنه طريق لإزعاج الآخرين وإفشالهم ، وهذا بالتأكيد ناجم عن رغبة غير سوية لبعض الأفراد من فاقدي لذة العيش بأمن وأمان وسلام حتى لو توفرت لديهم كل معطيات الإحساس بذلك ولكن عدم الإدراك بضرورياته يجعلهم بلا شك يعانون من حالة عدم التوازن والقدرة على ولا يستطيعون الاستمتاع بحياة سوية آمنة ومريحة.
نعم، لقد قام الناس بدراسة الإدراك لحاجتهم إلى حل مشاكل معيّنة في حياتهم، والذي ينشأ بسبب فضولهم الفكري حول أنفسهم والمجتمع من حولهم، وبطبيعة الحال من الضروري معرفة نوع المطالب الإدراكيّة التي يمكن وضعها على الأحاسيس البشريّة دون المساس بالسلامة والصحة العقليّة التي تمثل التحدي الأهم في هذا الأمر، ولكنا نجد أن البعض يصر على الجنون والبحث في عالم عدم الإدراك سواء كان ذلك رغماً عنهم أم لأجل غاية في نفس يعقوب، والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة!. 
فعند إدراك الشخص لحدث معيّن يقوم الدماغ باختيار وتنظيم وإدماج المعلومات الحسيّة لبناء حدث ما، فهو الذي يخلق حالة التمييز بين الواقع والأوهام من الإحساس، فهذا التعقيد مهم في إدراك الأحداث المحيطة بنا،  حيث أن الإنسان على الدوام بحاجة إلى الإدراك لحل مشاكل معيّنة، وتحديد الظروف البيئية الخطيرة المحتملة التي تهدد حواسه، وتضعف قدرته على اتخاذ القرارات التي يحتاجها لإستكمال مسيرة حياته.
لذلك نجد أنه في محيطنا المليء بالمتناقضات يعمل الإدراك على تنظيم وتصنيف المعلومات التي نتلقاها عن طريق حواسنا، فنتصرف وفقاً لتفسير أحاسيسنا، وهذا لا يعني بأن الأخرين ممن يشاركوننا نفس المحيط ويواجهون نفس التحديات يدركون تماماً ما أدركناه إثر حدث ما، بمعنى أخر أن ردات الفعل الإنسانية الناتجة عن الإدراك تكون متفاوتة كل حسب رؤيته ومقدرته على مواجهة التحديات التي تحيط به أو قدرته على التعاطي مع مسبباتها، وفهم ضروريات التعاطي معها، خاصة أن البيئة المحيطة بنا مليئة بالمحفزات التي يمكن أن تجذب انتباهنا من خلال الحواس المختلفة لتأخذنا في طريق الإبداع من خلال تكاتف الجهود وتراكمها بدلاً من البحث في بعثرتها ووضع العراقيل والعصى في الدواليب من أمامها والتي تؤدي غالباً بنا إلى التشرد والضياع.
أيضاً الإدراك يساعدنا على فهم الآخر والتفاعل معه بإسلوب مناسب وينظم سلوكيات البشر بغض النظر عن الاختلافات، هذا يجعلنا ننظر إلى حقيقة الإدراك لدينا بكل ما يواجهنا ويسعدنا ويوحدنا أو يعمق خلافتنا ويفتت وحدتنا ويشتت طاقاتنا، خاصة بأن هناك الكثير من المخاطر والحوافز التي تدفعنا لقراءة قدراتنا الحقيقية على الإدراك بكل الحيثيات المحيطة حتى نستطيع أن نشق الطريق ليس من أجلنا، فحسب،  وإنما من أجل أجيال صاعدة تستحق منا أن نساعدها في عبور الطريق وبذلك نستطيع الإستثمار في مقدراتها العلمية والفكرية والمعرفية، حيث أن لديها كل المحفزات لقراءة الواقع وإدراك ضروريات وأهمية التعايش مع التحديات المحيطة بها، وبالتالي تسهيل تغذية معرفتها واجبها الذي يرتكز على ضرورة فهم وإدراك ذلك جيداً والعمل على تسخيرها للصالح العام بدلاً من إدخالها في أنفاق ظلامية من الأوهام، ولا تحمل أي هوية!.
بالمقابل يدرك البعض منا بأن النجاحات الفردية والمجيرة التي لا تخدم الصالح العام هي نجاحات ناقصة وإن سُجلت بأسماء فردية، ولهذا أرى أنه قد حان الوقت، وآن الأوان، لكي ندرك بأننا عندما نكون معاً سنكون بآمان وبأن العمل الجماعي هو قارب النجاة الذي يجعلنا ننجو من تحديات كبيرة قد لا نحتملها إن واجهناها بشكل فردي .. لذلك علينا أن ندرك بأنه مهما كانت المصاعب التي تواجهنا كبيرة نستطيع أن نجد لها الحلول المناسبة ونتخطاها بسلام لو تكاتفت الجهود وتشابكت الأيدي وصلحت النوايا!.

الوسوم

مواضيع ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق