آخر الأخبار

المقارنة مع الآخرين تدمير للذات وتشويه للعلاقات الإنسانية.

لنتفق أولاً على أنه لا يوجد شخص على وجه الأرض يشبه الأخر إلى حد التطابق، لذلك نجد  أنفسنا محاطين بأنماط  بشرية متعددة الأشكال، لكن لنكن على ثقة بأن كل منا لديه ما يجعله متميزاً ، ومهمتنا هي البحث عن هذا التميز وتسخيره لخدمة أنفسنا والمجتمع الذي نعيش فيه.
للأسف بعض البشريضيعون جهدهم وطاقتهم في عقد المقارنات مع الأخرين ، فيفقدون القدرة على الاستمتاع بما لديهم من نعم لأنهم أخرجوا أنفسهم من دائرتهم الشخصية وانشغلوا بمن حولهم، هؤلاء يلازمهم دائماً شعور بالظلم وسوء الحظ  بسبب عدم اتزانهم النفسي وعدم إيمانهم بعدالة السماء وأن الأرزاق مقسمة بالعدل من رب هذا الكون. ، لقد وزع الله سبحانه وتعالى علينا الأرزاق بالعدل وكما يقولون 24 قيراطاً  لكل إنسان لكن بنسب متفاوتة ، فهناك من يملك الصحة والمال ولكن لم يرزقه الله بالذرية، وهناك من يملك الذرية والصحة ولكنه لا يملك المال وهكذا، كل ما علينا هو الجد والسعي أما النتائج فهي بيد الله سبحانه وتعالى مقسم الأرزاق..
عندما يقارن الشخص نفسه بالأخرين فهو يهين ذاته ويدمرها لأنها مقارنة غير عادلة لأن الشخص الذي يقارن عادة ما يقوم برصد نقاط قوة الأخرين مقابل نقاط ضعفه، فهو يراهم من وجهة نظره أفضل منه، ولذلك يهمل ما لديه من إمكانيات  وينشغل بصراعه مع نفسه والأخرين بدلاً من تطوير ذاته وتحسين وضعه الاجتماعي.
الحكم على المظهر ليس بالضرورة حكماً واقعياً،  من قال أن هذا الرجل الناجح أو هذه السيدة الثرية هم أفضل حالاً أو أكثر سعادة، لا أحد يعلم خبايا الأمور، نحن نرى فقط الوجه التجميلي(سيارات فاخرة، مجوهرات، أزياء واكسسوارات من دور الأزياء العالمية، منازل فخمة..الخ ) ولا نرى الحقيقة كاملة، لأننا لا نستطيع أن ندخل قلوب البشر وعقولهم، وليس هناك مقياساً يمكّننا من قياس منسوب السعادة لديهم، فالشكل الظاهري ليس بالضرورة انعكاساً للحالة الحقيقية للإنسان.
كل منا على هذه الأرض يريد لنفسه الحياة الأفضل،  لذلك علينا أن نضع الأهداف ونحدد المسار الذي سنسلكه لنصل إلى أهدافنا، علينا أن نركز على هذا المسار حتى نصل إلى خط النهاية  لا أن نركز فيما يفعله  الأخرين للوصول إلى أهدافهم..يجب أن نقارن أنفسنا بأنفسنا يوماً بيوم، كيف كنا أمس وكيف أصبحنا اليوم ، هل تطورنا أم تراجعنا، هل أخطأنا أم أصبنا.. وهذا ما نسميه بالتقييم الذاتي الذي يعالج الإخفاقات ويدعم النجاحات ..لا مانع بأن نتابع الأخرين وهم يحققون نجاحات في رهاناتهم في الحياة فالنجاح شيئ جميل وإيجابي ويبعث على التفاؤل، فكلنا على وجه الأرض جئنا كي نعمل وننجح ، هكذا يجب أن ننظر للأمور، يجب أن نسعد لتفوق أحدهم في مجال ما، فهذا ينجح علمياً وذاك ينجح في مجال المال والأعمال، وهناك من ينجح في مجال الفن وأخرون في مجال الرياضة ..الخ، نجاح الأخرين يجب أن يكون حافزاً لنا لنصبح مثلهم لا أن يكون سبباً في الحزن والمقارنة السلبية التي تؤدي بنا إلى مرحلة الحسد دون أن نشعر.
دائرة المقارنات لا تنتهي وسنجد دائماً من هم أفضل حالاً منا ، لكن أيضاً هناك من هم أسوأ حالاً لو نظرنا لهم سنشعر بما نحن فيه من خير ومميزات تستحق الشكر والامتنان، لا للمقارنة التي تسرق السعادة وراحة البال منا وتهدر طاقاتنا فلا نعود قادرين على التقدم خطوة إلى الأمام.
للمقارنات تبعات سلبية كثيرة، فمن خلال مشوار الحياة قابلت الكثير ممن أثرت فيهم المقارنات سلباً وأخرون ممن كانت المقارنات حافزاً لهم، قالت لي أحداهن :" مشكلتي أن زوجي دائماً يعايرني بعدم قدرتي على تطوير نفسي ويقارنني بصديقاتي اللاتي يراهن من وجهة نظره أفضل مني علماً ومظهراً وثقافة..أشعر بالعجز والانهزامية ، لقد تشوهت علاقاتي بدائرة معارفي خاصة صديقاتي اللاتي يقارنني زوجي بهن..بت أشعر بأنهن السبب في حالة الإحباط التي أعيشها".
أحد الطلاب في الجامعة التي كنت أعمل بها كانت قصته مختلفة، لقد حصل على علامات عالية في الثانوية العامة تؤهله لدراسة الطب حلم والده لكنه اختار دراسة تخصص مختلف ، سألته لماذا لم تحقق رغبة والدك بدراسة الطب خاصة وأن مجموعك مرتفع؟ أجابني : عزفت عن دراسة الطب نكاية في والدي الذي كان دائماً يقارنني بابن عمي طالب الطب المتفوق، ولم يسألني يوماً عن رغبتي فتولدت بداخلي حالة من الرفض لدراسة هذا التخصص بالذات لأن شبح المقارنة بإبن عمي كان دائماً يطاردني".
وهنا بعض الأمثلة من مظاهر المقارنة مع الآخرين والآثار السلبية المترتبة:
أن يقارن الأهل أبنائهم مع ابناء أصدقائهم  أو مقارنة الإخوة ببعضهم  البعض، هذا يخلق نوعاً من الفتور في العلاقات نتيجة الغيرة لأن كل شخص له إمكانياته وقدراته، حتى الإخوة ممن تربوا في نفس البيت تختلف قدراتهم وميولهم.
أن يقارن الموظف نفسه بزميله في العمل حتى لو كان ذلك الزميل يفوقه خبرة ويتفوق عليه في الأداء، وبدلاً من الاستفادة من خبرات زميلة يتفنن في الكيد له وتشويه صورته فتتحول بيئة العمل إلى بيئة غير صحية وغير منتجة.
أن يقارن المعلم بين تلميذ وآخر أمام جمع من الطلبة ، فتتولد حالة من العدوانية التي تؤدي إلى التنمر بين الطلبة.
أن يقارن زوج زوجته بنجمات الفن أو إحدى السيدات في محيطهما فتكثر المشاكل والمشاحنات بسبب الغيرة وعدم الثقة بالنفس.
أن تقارن زوجة مستواها المعيشي بمستوى إحدى صديقاتها أو قريباتها  وتحيل حياة زوجها إلى جحيم فيضطر للاستدانة حتى يلبي مطالبها أو يقع في فخ الرشى والأعمال غير المشروعة لتوفير ما يلزمها من أموال...وهناك الكثير من المشاكل تنتج بسبب المقارنات ،لكن المجال هنا لا يتسع لذكرها كلها..
ولا نغفل في هذا المجال دوروسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت بازدياد ظاهرة المقارنات، خاصة وأن كثير من الناس أصبحت حياتهم الخاصة منشورة على العلن، فهذا يضع صوراً لرحلاته الترفيهية، وذاك يضع صوراً لمقتنياته الثمينة ، وتلك تضع صوراً لمائدة الطعام التي أعدتها..الخ ، ولم تقتصر المقارنات على الأشياء المادية فحسب، بل أيضاً امتدت إلى الجوانب العاطفية، وهناك الكثير من البيوت قد دمرتها المقارنات في هذا الجانب..ما نراه على وسائل التواصل هو الجانب المضيء من حياة كل شخص، أما الجوانب المعتمة فهي تظل طي الكتمان.
لابد أن نؤمن بأن الحياة ليست سباقاً مع الأخرين  بل هي سباق مع أحلامنا  التي نريدها أن تصبح واقعاً من خلال  رحلة عمل لها خط بداية وخط نهاية، أما مقارنة أنفسنا مع الأخرين ستخرجنا من محيط أهدافنا وتضعنا تحت ضغط عصبي وحالة من التوتر المستمرة لإحساسنا بأننا في حالة منافسة دائمة.
بلا شك أننا ننظر لمن حولنا ولكن يجب أن تكون نظرتنا إيجابية وأن نتعلم من الناجحين منهم ونستلهم من تجاربهم ،لكن من الحماقة أن نحاول أن نكون نسخاً مكررة عنهم لأن لكل منا مميزاته وقدراته.
لنعمل على تطوير أنفسنا وإمكانياتنا الفردية لنصبح قادرين على الانخراط في فريق عمل يضيف كل منا فيه ما لديه من إبداعات ونقدم للمجتمع عمل تجتمع فيه نقاط القوة لكل أفراد الفريق..لنتوقف عن المنافسة المريضة التي يحاول فيها كل شخص تصدّر المشهد بمفرده..لنكن ممتنين دائماً بما لدينا وما حققناه من إنجازات، فالرضا والقناعة والتصالح مع النفس هم مفاتيح السعادة الحقيقية.