آخر الأخبار

التعليم في كندا ومخاوف تؤرق أبناء الجالية العربية

يتفق معظم المهاجرين على أن أهم سبب للهجرة هو تأمين مستقبل الأبناء وفتح آفاقاً جديدة لهم خاصة وأن معظم دولنا العربية تعاني من عدم الأمان في ظل صراعات معقدة أثرت تأثيراً مباشراً على كل مناحي الحياة التي تمس مستقبل الأجيال القادمة.
خلال تصفحي لمواقع التواصل الاجتماعي التي تٌعنى بشؤون الجالية العربية في كندا، اكتشفت حالة من القلق تسود معظم الأهالي بخصوص التعليم في كندا حيث إنه قد شكل صدمة لمعظمهم بسبب اختلاف طريقة التعليم في كندا عنه في البلدان التي جاؤوا منها، لهذا توجب علي أن أكتب في هذا الشأن بحكم خبرتي في المجال الأكاديمي.
بلا شك أن السياسة التعليمية تختلف من بلد لآخر، وحتى لا يتشعب الموضوع كثيراً سأطرح فكرة التعليم من وجهة النظر الكندية والفكرة التي أتى بها المهاجر العربي عن التعليم.
تعتبر كندا من أكثر دول العالم إنفاقاً على التعليم خاصة وإنها تطبق مجانية التعليم في كل مراحل التعليم ما قبل الدراسة الجامعية، حيث يبدأ الأطفال حياتهم التعليمية في كندا في عمر 4 أو 5 سنوات وهي مرحلة رياض الأطفال ومن ثم ينتقلون إلى المرحلة الابتدائية التي تنتهي في الصف الثامن ثم يليها المرحلة الثانوية أو ما يسمى بالهاي سكول وتكون من الصف التاسع حتى الصف الثاني عشر..أما في الدراسة الجامعية فهناك العديد من المنح الدراسية للمتفوقين بالإضافة الى تسهيلات تقدمها الدولة للطلبة كالقروض بدون فوائد لتشجيع الطلبة على إكمال دراستهم الجامعية. 
يتساءل البعض عن المدارس الخاصة في كندا..نعم توجد مدارس خاصة كالمدارس التي تخدم جاليات معينة لتدريس لغتهم الأصلية أو مدارس دينية، وهناك بعض المدارس للنخبة ممن يريدون أبنائهم أن يتعلموا أكثر من لغة أو يتميزوا بمهارات معينة غير متوفرة في المدارس الحكومية ولكنها باهظة التكاليف، لكن المنهج الأساسي لا يختلف كثيراً عن المدارس الحكومية.
بموجب الدستور الكندي فأن التعليم مسؤولية حكومة المقاطعات ويكون تمويله من ميزانية المقاطعة، ولذلك سيكون هناك بعض الاختلافات في النظم التعليمية بين المقاطعات لكن بالنهاية كلها تخضع للمعايير الرئيسية للتعليم في كندا ولها نفس المخرجات التعليمية.
المشاكل التي يراها أبناء الجالية العربية في نظام التعليم الكندي تتمحور حول نقطتين:
1- عدم وجود منهاج دراسي محدد في كتب مدرسية ، مما يتسبب في ضياع الأهالي لعدم قدرتهم على متابعة أبنائهم في المنزل.

2- عدم وجود واجبات منزلية يقوم الطالب بحلها في المنزل، بالتالي الطالب يفتقد مهارة العمل تحت ضغط الوقت التي تعتبر مهارة مهمة جدا من وجهة نظرنا كعرب.

في البلدان العربية يقيس الأهالي مستوى المدرسة بكمية الكتب التي تٌعطى لأبنائهم بغض النظرعن قدرة أبنائهم الاستيعابية، بالإضافة إلى كمية الواجبات المنزلية التي يعود بها الطالب إلى المنزل والتي تتسبب في الضغط على الطلاب في الفترة التي يجب أن يرتاحوا بها لبدأ يومهم الدراسي التالي أكثر استعداداً جسمانياً وعقلياً، كما تعودوا على امتحانات تقيمية فيها نجاح ورسوب في نهاية العام أو الفصل الدراسي مما يضع الطالب وهو في عمر صغير تحت ضغط نفسي في غنى عنه.
يقارن كثير من الأهالي في الجالية العربية المدارس الحكومية في كندا بالمدارس الخاصة في بلدانهم، وكلنا يعلم بأن التعليم الخاص في وطننا العربي أصبح نوعاً من المشاريع التجارية التي تدر أرباحاً طائلة على أصحابها..لذلك لو بحثنا في طبيعة هذه المدارس سنجد بأن الاهتمام بالمظهر التجميلي أكثر منه بالناحية التربوية والتعليمية..بدليل أن الأهالي يدفعون رسوماً مدرسية عالية الكلفة، ورغم هذا يستعينون بمدرسين خصوصيين لمتابعة أبنائهم خارج المدرسة..
كلنا يعلم بأن المناهج التعليمية في المدارس الخاصة بدولنا هي مناهج مستوردة من الخارج وتٌطبق حرفياً دون مراعاة لطبيعة المكان والاختلافات الاجتماعية، أما بالنسبة للهيئة التدريسية فمعظم هذه المدارس تختار المدرسين بناء على مدى إتقان اللغة الإنجليزية حتى لو لم يكونوا مؤهلين للتدريس..لكنني أعذر الأهالي عندما يبحثون لأبنائهم عن مدارس خاصة وذلك بسبب تدني مستوى المدارس الحكومية في معظم الدول العربية، التي يتسرب معظم طلابها من المدارس بسبب عدم الاهتمام من قبل الهيئة التدريسية المطحونة في الدروس الخصوصية من أجل تحسين مستواهم المعيشي خاصة وأن رواتبهم الأقل في سلم الرواتب مقارنة بالمهن الأخرى..إلى جانب تكدس الطلاب في الفصول الدراسية الذي يجعل من السيطرة على الطلاب ومتابعتهم من قبل المدرسين أمراً ليس سهلاً.
بلا شك أن الأهالي يتمنون لأبنائهم الأفضل..كبرنا ونحن نسمع أمنية كل أب وأم أن يصبح أبنائهم إما أطباء أو مهندسين أو صيادلة وغير ذلك غير مقبول، حتى في بعض البلدان تم تصنيف كلية الطب والهندسة والصيدلة بكليات القمة..هذه الفكرة في التمييز بين التخصصات جعلت الأهالي يحرصون بشراسة على توجيه أبنائهم بهذا الاتجاه دون مراعاة لقدراتهم ورغباتهم، ويتحملون أعباء مادية باهظة من أجل ذلك..لذلك يتكرر المشهد الذي نجد فيه خريج الثانوية العامة يسير برفقة أحد والديه لتقديم أوراقه بالجامعة ويختار التخصص تحت ضغط وإلحاح والديه حتى لو لم يكن راغباً فيه..يا ترى لماذا نجد العديد من الخريجين غير الأكفاء وكثير من الأخطاء الناجمة عن عدم اقتناع الخريج بتخصصه؟!
ومن هنا أتمنى على الأهالي في جاليتنا العربية أن يعيدوا برمجة تفكيرهم خاصة وانهم يبدأون حياة جديدة مختلفة عن تلك التي تركوها في بلدانهم، بالتأكيد التغيير ليس بالأمر السهل لكن كل منا جاء ليبدأ حياة جديدة بكل مكوناتها والتعليم من ضمنها..عقد المقارنات أمر غير مجدي لأن المقارنات لن تكون واقعية ، يمكننا مقارنة مدرسة بأخرى في نفس البلد وليس نظام تعليمي كامل في بلدين مختلفين تماماً..اذاً لا بد من وقف المقارنات والبحث عن تطوير ما نرى فيه قصور من خلال تقديم المقترحات كأولياء أمور إلى إدارات مدارس أبنائنا، لنكن فاعلين كأولياء أمور ونحاول أن نكون جزءاً مهماً من العملية التربوية والتعليمية، التغيير لا يمكن أن يحدث إذا لم نكن جزءاً من المنظومة التعليمية.
أود من خلال هذا المقال أن أطمئن الأهالي بأن المدارس هنا في كندا تخضع لمعايير تعليمية وتربوية موحدة بين المقاطعات وإن اختلفت بعض الشيئ في التطبيق من مقاطعة لأخرى، وكلها تصب في بناء الطالب بناءً صحيحاً ليبرز قدراته الحقيقية حتى يمكن توجيهه بالاتجاه المناسب له.
هنا يهتمون بالتعاطي مع الحداثة والتطور المستمر لذلك يربطون العلوم بالعقل والفهم ولا يعتمدون على نظام الحفظ خاصة في المراحل التعليمية الأولى التي يميل فيها الطفل الى الحركة واللعب أكثر من التركيز ولذلك يحرص المدرسين على استيعاب الطلبة في هذا العمر وبناء علاقة حب بينهم وبين المدرسة، فترتبط المدرسة في أذهانهم بالمرح والسعادة والمتعة وليس بالضغط الذي تسببه كثرة الدروس.. وأهم مخرجات هذه المرحلة هي اكتساب مهارات القراءة والكتابة والحوار والرياضيات واللغات.
في المراحل التعليمية الأولى تتبلورشخصية الطفل، ولذلك يحرص المدرسين على تطوير مهارات التواصل لديهم والتفاعل مع الأخرين..تطوير مهاراتهم الفكرية والأدبية عن طريق القراءة الجماعية والفردية.. تطوير الثقة بالذات والقدرة على مواجهة الأخرين وذلك عن طريق إعطاء كل طالب الفرصة للتحدث أمام صفه وكتابة ما يشعر به في تدوين يومي..تطوير روح التنافس المثمر وتبادل الخبرات وذلك عن طريق العمل ضمن فريق في مشاريع مشتركة بين مجموعات في نفس الفصل الدراسي..تطوير الحس الإبداعي من خلال ممارسة الأعمال اليدوية والفنون وتطويرها..والاستعمال المبدع لوقت الفراغ عن طريق الأنشطة الرياضية المدرسية والرحلات والأعمال التطوعية.
كل ما ذكرنا يتطلب مساحة من الحرية والمرونة لدى المؤسسات التعليمية لتطبيق النظريات الحديثة في التعليم ، لذلك لايقتصر التدريس على كتاب مدرسي فقط  تنحصر فيها إمكانات المدرس، بل يتمتع المدرس بحرية تنويع الموارد التعليمية التي يجدها مفيدة للطلاب واستخدام الوسائط المتعددة لتسهيل إيصال المعلومة بالطريقة الملائمة (وسائل مرئية ، سمعية )، وهذا يتم بالتنسيق مع المتخصصين التربويين.
في كندا يؤمنون بأن هناك تفاوت في المستويات بين الطلاب، وهذا أمر طبيعي وصحي، فالمجتمع لا يلزمه فقط خريجين جامعة، بل يلزمه مهنيين متخصصين، ولذلك في المرحلة الثانوية هناك بعض المساقات المهنية الحرفية بمثابة مقدمة فيما لو أحب أحد الطلاب الالتحاق بأحدى الكليات المهنية التي تقدم دراسة تطبيقية على أعلى مستوى.
في كندا يتم اختيار الهيئة التدريسية بعناية فائقة..لابد للمدرس أن يكون حاصلاً على درجة البكالوريوس بالإضافة إلى برنامج مدته سنتين لإعداد المدرسين للحصول على رخصة التدريس..ولا يتوقف تأهيل المدرسين عند هذا، بل هناك تطوير مهني مستمر يشتمل على دورات تدريبية شاملة للمدرسين من أجل رفع كفاءتهم ، كما أن الرواتب الخاصة بالهيئات التدريسية تعتبر من الرواتب الجيدة بالإضافة إلى الحوافز التشجيعية لأنهم يؤمنون بأن المدرس من أهم ركائز العملية التعليمية.
أؤمن بالمثل الذي يقول:" أعطي الخبز لخبازه" لذلك اتركوا أبنائكم بين أيادي المختصين التربويين الذين يطورون ويستحدثون الطرق الصحيحة من أجل بيئة تعليمية تربوية سليمة.. إفسحوا لأبنائكم المجال كي يختاروا ما يريدون بحرية ، اتركوهم يكتشفون بأنفسهم مايناسب قدراتهم ورغباتهم حتى ينجحوا ويبدعوا في حياتهم العملية ويكونوا سعداء في حياتهم بصفة عامة. 
بقلم /سلوى حماد